ابن بسام

198

الذخيرة في محاسن أهل الجزيرة

أدرجت طيّ رقعتي هذه قنداقا « 1 » تسمّى الخدمة قبلك فيه ، ورسم على كل واحد منهم ما توجبه حاله وتقتضيه ، فتقدم في ما نصصته من الحال إليهم ، وكلّمهم بما يخفّف الحال عندهم ويسهّلها لديهم ، ولتقبض ذلك كلّه في أعجل ما يمكن ، فالحاجة إليه وكيدة ، والضرورة حافزة شديدة . قال « 2 » : ولمّا كلب « 3 » العدو - قصمه اللّه - في ذلك التاريخ ، وأعضل داؤه ، وجعل يطأ بلاد المسلمين ، آمنا لا يخاف ، وآنسا لا يستوحش ، مقدما لا يكعّ ، ومجترئا « 4 » لا يرتدع ، ينزل بساحات القواعد الرفيعة ، والقلاع المنيعة « 5 » ، فيعفّي الآثار ، ويستبيح الذّمار « 6 » ، ويهتك مصون الأستار ، ورمت / لها الأنوف ، واستعذبت معها الحتوف ، وحميت منها النفوس الأبيّة ، والعدوّ في كل ذلك ثلج الفؤاد ، رابط الجأش ، لا يرقب سنان دافع ، ولا يبدو له وضح سيف مدافع ، لأنّ أكثر ملوك هذا الإقليم ، كانوا يداخلون طوائف الروم ، ويكتري كلّ واحد منهم عسكرا بجملة من المال ، يخرجه إلى بلد كاشحة ، ويسلّطه على معانده ممن يجاوره من البلاد ، حسدا له وطمعا في بلده أن يصير طوع يده ، فكانت نيران الفتنة بينهم مشتعلة ، والرعيّة مهملة ، لأن جملة غلّاتهم ، وجميع اعتمالاتهم ، كانت تتلف بأيدي تلك الطواغيت ، الخارجة إليهم في أكثر المواقيت ؛ وما كان يفلت من الخراب يغرمونه في المغارم ، وما يجشّمونه من المجاشم ، فقطعوا أيّامهم بقرع الظنابيب « 7 » ، وشرع الأنابيب ، نكايات قعدة ، لا نكايات مردة ، إذ كان كلّ واحد منهم يختفي عن قرنه بقصره ، ويطيل الهزّ لسيف غيره ، ويسلّه على جاره ، حتى غدا ذلك السيف مسلولا عليه ، كما قال أبو تمام « 8 » : عبأ الكمين له فظلّ لحينه * وكمينه الملقى « 9 » عليه كمين

--> ( 1 ) ط : متداما ؛ م س ل : قنداما ؛ ك : قنداقا ؛ وبياض في د ؛ والقنداق لفظة يونانية تعني « بيان » أو « براءة » مدرجة ضمن رسالة أو رقعة ، كما يفهم من النص أعلاه . ( 2 ) قال : سقطت من م د س . ( 3 ) في النسخ : كمل . ( 4 ) ط ل ك : ومجرما . ( 5 ) ك ل : المنيفة . ( 6 ) هذه قراءة ك ل ؛ وهي غير واضحة في م ؛ وفي الأصول الأخرى : الدمار . ( 7 ) قرع للأمر ظنبوبه ( وهو عظم الساق ) : استعد له وتهيأ . ( 8 ) ديوان أبي تمام 3 : 320 . ( 9 ) الديوان : المخفى .